أبي منصور الماتريدي

534

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

أو يكون قوله : أَ يَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ ، أي : لم يعلم أتباعه الذين أنفق عليهم مقدار ما أنفق عليهم ؛ فيكون في قوله - تعالى - : أَهْلَكْتُ مالًا لُبَداً إظهار منه لسخاوته « 1 » وجوده ، على الافتخار منه بذلك ، وامتنانا منه على أتباعه ، فإن كان على هذا فهو في أمر الدنيا ، وقد علم الله « 2 » القدر الذي أنفق عليهم ، وعلم الخلق سخاوته لا بقوله ؛ فليس اشتغاله في إظهار الجود والامتنان إلا نوع من السفه ، وكان الذي يحق عليه الاشتغال بالشكر لله - تعالى - أو توجيه الحمد إليه ؛ لما علم أن الذي أنعم به من المال الكثير من الله تعالى ، وأن تلك المنقبة - وهي السخاوة - نالها بالله تعالى ، وهذا كقوله - تعالى - : فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ [ البقرة : 200 ] ، أي : آباؤكم لم ينالوا ما تذكرون من الشرف والمناقب الحميدة إلا بالله - تعالى - فاذكروه كذكركم آباءكم ، وهذا النوع من الافتخار راجع إلى الخصائص من القوم لا إلى الجملة ؛ إذ كل أحد يقول مثل « 3 » ذلك : إنه أهلك مالا لبدا ، وفعل كذا . وقوله - عزّ وجل - : أَ لَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ . وَلِساناً وَشَفَتَيْنِ : فإن كان قوله : أَ يَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ على نفي القدرة على البعث ، ففي ذكر العينين نفي تلك الشبهة ، وهو أن الله - تعالى - أنشأ له بصرا يرى بفتحة واحدة ما بين السماء والأرض ، فمن بلغت قدرته هذا لا يعجزه شيء أو يخفى عليه أمر ، فقوله : أَ لَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ، أي : ألم نخلق له عينين يدرك بهما المحسوسات بالنظر ، وجعلنا لهما جفونا وأشفارا يدفع بهن القذى عن عينيه ، ويغضهما بهن عن النظر إلى ما لا يعنيه . وقوله - عزّ وجل - : وَلِساناً أي : خلقنا له لسانا يحضر به ما غاب واستتر . وقوله : وَشَفَتَيْنِ ففي خلق الشفتين وجهان من الحكمة . أحدهما : أنه جعلهما طبقا يستران قبح ما في فمه ، ولولاهما لكان الناظر إليه وقت مضغه الطعام أو شيئا من الأشياء ، استقذر ذلك منه . وجعلهما طبقا للسانه ؛ لئلا يمده ، ويستعمله فيما لا يعنيه . فذكرهم عظيم نعمه في خلق العينين واللسان والشفتين ؛ ليستأدي منهم الشكر ، وليعلموا أن الذي بلغت قدرته هذا ، ليس بالذي يعجزه شيء . وقوله : وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ .

--> ( 1 ) في أ : السخاوة . ( 2 ) في ب : أتباعه . ( 3 ) في ب : قبل .